أدبأدب وشعرالأسبوع العربيالثقافة والفنونثقافةخاطرةفنفنونمجلة الأديب العربيمقالاتنثر

حين تصبح المشاعر مسئولية

حين تصبح المشاعر مسؤولية: انسحاب الإعجاب وبقاء الالتزام

بقلم باهر رجب

في العلاقات الإنسانية، تبدأ الحكايات عادة بنسمة رقيقة، إعجاب عابر وخفيف لا يكاد يشعر به، تكون هذه المرحلة أشبه بفجر جميل، حيث يكون الاقتراب سهلا، والكلمات وفيرة، والوعود تلقى بلا وزن أو تبعات. في هذا المدى الزمني، لا يطلب من الطرف الآخر سوى الحضور البهيج، ولا يختبر صدقه بعمق، فالمشاعر حينئذ هي مجرد شعور داخلي خاص، لا تتطلب التزاما خارجيا.

لكن المشهد سرعان ما يتغير، و تتكشف خيوط الحقيقة، عندما تبدأ تلك المشاعر الخفيفة في التحول إلى مسؤولية، ويصبح للحب تبعات نفسية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها. لم تعد المشاعر مجرد حالة شعورية فردية، بل أصبحت التزاما تجاه قلب آخر، يتطلب ثباتا و وضوحا. هنا يظهر الفارق الجوهري بين إعجاب اللحظة والتزام الزمن.

المسئولية العاطفية

إن المسئولية العاطفية هي المحك الذي يكشف الفارق بين من أحب الإحساس الجميل الذي أحدثته العلاقة، ومن أحب الإنسان ذاته بكل ما فيه. الإعجاب بطبيعته يكتفي باللحظة العابرة، يستمتع بالدفق الأولي للمشاعر دون أن يرتضي أن يحمل ثقل التكلفة. في المقابل، يختار الالتزام الاستمرار، بما يحمله ذلك من صبر، وتفهم، وتحمل لتحديات الحياة وتقلبات العلاقة.

كثيرون ينسحبون بهدوء في هذه المرحلة الفاصلة، والسبب واضح: لم يدخلوا العلاقة بنية البقاء الدائم، بل بنية الاستمتاع المؤقت بلذة الإعجاب. وعندما شعروا أن الحب يطلب منهم ثباتا، أو يطالبهم بدفع ثمن الشعور بالمسؤولية عن قلب آخر، أدركوا أنهم غير مستعدين لتحمل هذا الثقل. فالإعجاب يقيم في اللحظة، بينما الالتزام يسكن الزمن، ولذلك يهرب الأول عند الشعور بأدنى ثقل، بينما يبقى الثاني لأنه اختار البقاء بوعي، لا لأنه اندفع بعاطفة عابرة.

الانسحاب في هذا السياق ليس دائما هروبا من الشخص ذاته، بقدر ما هو هروب من فكرة الالتزام نفسها ومن الذات غير المستعدة للثبات. بعض القلوب تخاف، لا من فقدان الطرف الآخر، بل من مسؤولية الشعور به. يخافون أن يصبحوا مسؤولين عن مشاعر غيرهم، أو أن يطالبوا بالثبات في عالم اعتادوا فيه التراجع والانسحاب. حين تتحول المشاعر إلى مسؤولية، تسقط الأقنعة وتظهر الحدود الحقيقية لكل طرف. لا يبقى إلا من يملك الشجاعة ليعترف بأن القرب الحقيقي ليس سهلا، وأن الصدق الذي يتطلبه الالتزام لا يتقنه الهاربون. لهذا، بعض الرحيل ليس قرارا ضد الشريك، بل هو اعتراف صامت بالعجز عن الالتزام الحقيقي.

إن الذي انسحب لم يخذل الطرف الآخر بالمعنى القاسي للكلمة، بل صدقه أخيرا حين كشف عن حدود ما يستطيع تقديمه. فالرحيل هنا ليس خسارة بقدر ما هو كاشف صادق. الذي ينسحب عند أول طلب للالتزام، لم يكن مستعدا للحب العميق منذ البداية. وجوده كان مؤسسا على الإعجاب، وعلى الشعور الجميل بلا تبعات. وحين تغيرت طبيعة العلاقة، لم تتغير مشاعره فحسب، بل ظهرت حدوده الحقيقية التي لم يستطع تجاوزها. وغالبا ما يكون هذا الرحيل رحمة، لأنه يخرج من حياتنا من لم يكن ليحتمل ثقل البقاء وصدق العلاقة.

ليس كل من شعر بشيء أحب حقيقة، فالحب الحقيقي هو الذي تحمل واستمر. أما من يبقى، فهو من يفهم أن الحب ليس وعدا دائم السعادة، بل هو اختيار واعى للاستمرار رغم التحديات والصعوبات. هو شخص يدرك أن المشاعر مسؤولية لأن القلوب ليست ساحات للتجربة العابرة، وأن الالتزام ليس قيدا يكبل، بل هو احترام للآخر و للنفس التي اختارت. هؤلاء لا يهربون عندما تثقل المشاعر، بل ينضجون معها ويصبحون أقوى بها.

من يبقى، لا يبقى لأنه لا يتألم أو لا يشعر بالثقل، بل لأنه اختار بوعي أن يكون مسؤولا عن قلب وثق به.

في الختام، حين تصبح المشاعر مسئولية، ينسحب من أرادها إعجابا مؤقتا بلا التزام، ويبقى فقط من رأى في الحب معنى أعمق من مجرد شعور عابر. يبقى من فهم أن المشاعر الحقيقية لا تقاس بحدة البداية المشوبة بالاندفاع، بل بصدق وثبات الاستمرار. ولهذا، يجب على المنسحب ألا يعود حين يشتاق قلبه إن لم يكن يملك نية الثبات هذه المرة. فالاشتياق المؤقت لا يبرر أبدا كسر قلب كان جادا و صادقا في علاقته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى